أصبحت المقاولة في المغرب فاعلاً محورياً في الدورة الاقتصادية، لأنها ليست فقط أداة لتحقيق الربح، بل أيضاً وسيلة لخلق مناصب الشغل وتنشيط الاستثمار وتداول الثروة. ولهذا، فإن أي اضطراب يصيبها لا ينعكس على الشركاء وحدهم، بل يمتد إلى الأجراء والدائنين والسوق ككل. ومن هنا تبرز أهمية دراسة صعوبات المقاولة في ارتباطها بقانون الشركات، وبالآليات البديلة لتسوية النزاعات، وعلى رأسها الوساطة والتحكيم.
ومن الناحية القانونية، لا بد من تصحيح نقطة أساسية: الإطار المغربي لا يقوم على “قانون شركات” واحد، بل على عدة نصوص متكاملة، أهمها القانون رقم 17.95 المتعلق بشركات المساهمة، والقانون رقم 5.96 المتعلق بشركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسؤولية المحدودة وشركة المحاصة، إضافة إلى مدونة التجارة بموجب القانون 15.95. أما صعوبات المقاولة فتندرج أساساً ضمن الكتاب الخامس من مدونة التجارة، وقد خضعت لإصلاح مهم بمشروع/قانون 73.17 المتعلق بتغيير وتتميم مدونة التجارة فيما يخص هذه المساطر.
وتكتسي الوساطة والتحكيم أهمية خاصة في هذا الموضوع لأنهما لا يقتصران على حل النزاع بعد تفاقمه، بل يمكن أن يسهما في تطويق الخلافات بين الشركاء، أو بين الشركة وممونيها، أو داخل العلاقات التعاقدية والتجارية التي قد تتحول، إذا تُركت دون معالجة، إلى أزمة مالية أو تسييرية تهدد بقاء المقاولة. وقد أكدت وزارة العدل أن التحكيم والوساطة يشكلان عدالة مكملة من شأنها تخفيف الضغط عن المحاكم، بما فيها التجارية، والتسريع في تسوية المنازعات.
المبحث الأول: الإطار العام لصعوبات المقاولة في القانون المغربي
المطلب الأول: المقصود بصعوبات المقاولة
صعوبات المقاولة لا تعني فقط الإفلاس بمعناه التقليدي، بل تشمل كل وضعية مالية أو تسييرية أو قانونية تجعل الشركة عاجزة عن الوفاء العادي بالتزاماتها، أو مهددة بفقدان توازنها الاقتصادي. ولهذا جاء الكتاب الخامس من مدونة التجارة ليؤطر مساطر خاصة بهذا الوضع، تحت إشراف القضاء التجاري، وبمشاركة أجهزة مهنية مثل السنديك، الذي ما زالت الدولة تستكمل تنظيم مؤهلاته وأتعابه بنصوص تطبيقية حديثة.
ومن الناحية العملية، تتجلى صعوبات المقاولة في عدة صور: نزاعات حادة بين الشركاء، سوء التسيير، اختلال التوازن المالي، تراكم الديون، صعوبة الأداء، توقف الاستغلال، أو تضارب القرارات داخل أجهزة الإدارة. وهذه الصعوبات قد تبدأ داخل الشركة كخلاف حوكمة، ثم تتحول لاحقاً إلى نزاع تجاري أو أزمة وفاء، ثم إلى مسطرة قضائية إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب. وهذا الربط بين التسيير والنزاع والأزمة ينسجم مع بنية القانون التجاري المغربي القائمة على حماية الثقة والائتمان واستمرارية المعاملات.
المطلب الثاني: علاقة قانون الشركات بصعوبات المقاولة
قانون الشركات المغربي يضع القواعد المنظمة لتأسيس الشركات وتسييرها ومراقبتها وحقوق الشركاء ومسؤولية المسيرين، بينما تعالج مدونة التجارة، في جانبها الخاص بصعوبات المقاولة، الحالات التي تدخل فيها الشركة مرحلة الاختلال أو العجز. لذلك فالعلاقة بينهما علاقة تكامل: قانون الشركات يرسم الإطار العادي للحياة القانونية للشركة، أما قانون صعوبات المقاولة فينظم المرحلة الاستثنائية التي تهدد استمرارها.
ومن هنا، فإن كثيراً من صعوبات المقاولة تكون جذورها في إخلالات يحكمها قانون الشركات، مثل سوء الحكامة، غياب الشفافية، تعسف الأغلبية، تعطيل أجهزة التسيير، أو النزاع حول القرارات الجوهرية. وحين تتفاقم هذه الاختلالات قد تخرج من نطاق الخلاف الداخلي لتتحول إلى أزمة بنيوية تمس الذمة المالية للشركة وعلاقاتها بالدائنين. وهذا ما يفسر لماذا لا يمكن دراسة صعوبات المقاولة بمعزل عن قواعد الشركات.
المبحث الثاني: أبرز صعوبات المقاولة في ظل قانون الشركات
المطلب الأول: الصعوبات الداخلية
من أهم الصعوبات التي تواجه المقاولة في إطار قانون الشركات النزاعات بين الشركاء، خصوصاً في الشركات التي تقوم على الاعتبار الشخصي أو على توازن دقيق في الحصص وحق التصويت. فحين يتعطل اتخاذ القرار، أو ينشأ صراع حول التسيير، أو تُستعمل الأغلبية بشكل يضر بالمصلحة الاجتماعية للشركة، فإن المقاولة تدخل في وضع هش قد ينعكس على نشاطها وعلى ثقة المتعاملين معها.
كما تشكل مسؤولية المسيرين محوراً مهماً في هذا الباب. فالقانون المغربي يحيط التسيير بآليات رقابة متعددة، سواء من طرف الشركاء أو مراقبي الحسابات أو الإدارة أو القضاء، وأي خلل جسيم أو غش أو تدليس أو سوء تدبير قد يرتب آثاراً مدنية أو تجارية أو حتى زجرية. ولهذا فإن سوء الحكامة ليس مجرد خطأ داخلي، بل قد يكون المدخل الحقيقي لأزمة المقاولة.
المطلب الثاني: الصعوبات الخارجية
إلى جانب النزاعات الداخلية، تواجه المقاولة صعوبات ناتجة عن علاقتها مع الغير، مثل نزاعات الأداء مع الموردين، أو خلافات العقود التجارية، أو التعثر في الوفاء تجاه الأبناك، أو المنازعات المرتبطة بالشراكات والاستثمار. وهذه كلها تدخل في صلب البيئة التجارية التي تتطلب السرعة والثقة، ولذلك فإن استمرارها دون حل قد يضر بالسمعة التجارية وبالقدرة على الاستمرار. وقد شددت وزارة العدل سنة 2024 على أن التحكيم يكتسي أهمية خاصة في المجال التجاري لأنه مجال يتطلب السرعة في التعامل.
كما أن صعوبات المقاولة قد ترتبط بعوامل أوسع، كالتغيرات الاقتصادية أو ضعف السيولة أو عدم القدرة على إعادة هيكلة الديون، لكن القانون المغربي يتعامل مع هذه الحالات داخل مساطر خاصة تروم، في الأصل، إنقاذ النشاط متى كان ذلك ممكناً، لا مجرد إنهاء الشركة فوراً. وهذا ما يفهم من استمرار تطوير النصوص التطبيقية للكتاب الخامس من مدونة التجارة، ومنها النصوص المتعلقة بالسنديك وأتعابه.
المبحث الثالث: دور الوساطة في صعوبات المقاولة
المطلب الأول: الوساطة كآلية وقائية
الوساطة تُعد من أهم الآليات التي يمكن أن تساعد المقاولة قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار القضائي. فهي مفيدة خصوصاً عندما تكون الصعوبة ناتجة عن نزاع قابل للاحتواء: خلاف بين الشركاء، نزاع بين الشركة وممون رئيسي، توتر مع دائن، أو سوء تفاهم حول تنفيذ عقد استراتيجي. ففي هذه الحالات، يكون اللجوء إلى وسيط محايد وسيلة عملية لإعادة فتح قنوات الحوار وتجنب التصعيد. والقانون 95.17 جعل الوساطة الاتفاقية إطاراً قانونياً معترفاً به داخل المنظومة المغربية.
وتكمن أهمية الوساطة في أنها تسمح بحل النزاع دون تدمير العلاقة التجارية. وهذا أمر حاسم في بيئة الأعمال، لأن الشركة قد تحتاج إلى الحفاظ على شريكها أو ممولها أو موردها حتى بعد الخلاف. ولهذا فإن الوساطة تبدو منسجمة جداً مع منطق المقاولة، الذي يقوم على الاستمرارية والثقة والسرعة، أكثر من منطق الخصومة القضائية الصلبة.
المطلب الثاني: حدود الوساطة في صعوبات المقاولة
مع ذلك، لا يمكن تحميل الوساطة أكثر مما تحتمل. فهي تنجح عندما يكون النزاع قابلاً للتفاوض، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المساطر القضائية إذا وصلت المقاولة إلى مرحلة تستوجب تدخلاً قضائياً منظماً تحت إشراف المحكمة التجارية، كما هو الحال في بعض مساطر صعوبات المقاولة. ففي هذه المرحلة، لا يصبح الأمر مجرد خلاف بين أطراف متعاقدة، بل يتعلق أيضاً بحماية جماعة الدائنين والنظام العام الاقتصادي.
لذلك، يمكن القول إن الوساطة تؤدي دوراً مهماً قبل استفحال الأزمة، أو في النزاعات الجانبية المحيطة بها، لكنها ليست بديلاً شاملاً عن كل مساطر صعوبات المقاولة. وهذه خلاصة منطقية يفرضها الطابع القضائي المنظم للكتاب الخامس من مدونة التجارة.
المبحث الرابع: دور التحكيم في منازعات المقاولة
المطلب الأول: التحكيم كآلية لحسم النزاعات التجارية المرتبطة بالشركة
التحكيم أكثر إلزاماً من الوساطة، لأنه ينتهي إلى قرار تحكيمي لا إلى مجرد اتفاق ودي. ولهذا يبرز دوره في منازعات المقاولة التي تحتاج إلى حسم سريع ومتخصص، مثل منازعات الشركاء في العقود الاستثمارية، أو النزاعات التقنية في صفقات كبرى، أو الخلافات المرتبطة بتنفيذ اتفاقات تجارية معقدة. وقد صرحت وزارة العدل بأن التحكيم داعم للقضاء، خصوصاً في المجال التجاري الذي يتطلب السرعة في التعامل.
كما أن التحكيم ينسجم مع منطق الأعمال لأنه يتيح للأطراف اختيار محكمين ذوي خبرة في المجال محل النزاع، ويوفر درجة من السرية والمرونة الإجرائية، وهي عناصر مفيدة جداً للمقاولة التي تخشى من أثر النزاع العلني على سمعتها أو على ثقة السوق فيها. ولهذا حرصت وزارة العدل على تنظيم المهنة، وأعلنت سنة 2025 عن فتح باب التسجيل الإلكتروني في لائحة المحكمين.
المطلب الثاني: حدود التحكيم في مساطر صعوبات المقاولة
لكن مثل الوساطة، لا يمكن القول إن التحكيم يحل محل القضاء في كل ما يتعلق بصعوبات المقاولة. فحين تصبح الأزمة خاضعة لمساطر جماعية داخل الكتاب الخامس من مدونة التجارة، فإن الأمر يتجاوز إرادة طرفين أو أكثر إلى حماية مصالح متعددة ومتداخلة، تحت رقابة المحكمة والسنديك وأجهزة المسطرة. وفي مثل هذه الحالات، يظل القضاء التجاري هو الإطار الأصلي.
وعليه، فالتحكيم يكون فعالاً خصوصاً في النزاعات المسببة للأزمة أو المرافقة لها، مثل خلافات العقود أو الشركاء أو التمويل، لكنه لا يشكل بديلاً عاماً عن كل الآليات القضائية الخاصة بصعوبات المقاولة. وهذا التمييز ضروري حتى تكون الصياغة القانونية دقيقة.
المبحث الخامس: العلاقة التكاملية بين قانون الشركات والوساطة والتحكيم
المطلب الأول: قانون الشركات يحدد القواعد، والوساطة والتحكيم يخففان آثار النزاع
قانون الشركات ينظم التأسيس والتسيير والرقابة والانحلال، لكنه لا يمنع وحده نشوء النزاعات أو الأزمات. وهنا تأتي الوساطة والتحكيم لتوفيرا للمقاولة أدوات عملية لتفكيك النزاع قبل أن يتحول إلى انهيار. فكلما كانت آليات الحل البديل حاضرة ومفعلة، أمكن تقليص الآثار السلبية للخلافات داخل الشركة أو حولها.
ولهذا يمكن القول إن البيئة القانونية السليمة للمقاولة لا تقوم فقط على نصوص الشركات، بل أيضاً على جودة أدوات فض المنازعات. فالمستثمر أو الشريك أو الممول يبحث عن قانون واضح، لكنه يبحث كذلك عن وسيلة فعالة إذا نشأ النزاع. ومن هنا تبرز أهمية الربط بين قانون الشركات من جهة، والوساطة والتحكيم من جهة أخرى.
المطلب الثاني: أثر ذلك على مناخ الأعمال
كلما كانت المنازعات التجارية ونزاعات الشركات تُحل بسرعة وفعالية، زادت الثقة في السوق وتحسن مناخ الأعمال. ولهذا ربطت وزارة العدل بين تطوير التحكيم والوساطة وبين تخفيف الضغط على المحاكم التجارية وتسريع تسوية المنازعات، كما أكدت أهمية التحكيم في المجال التجاري.
وفي المقابل، فإن غياب هذه الثقافة أو ضعف استعمالها يؤدي غالباً إلى إطالة النزاع، وتعميق الأزمة، وانتقال الشركة من مجرد خلاف داخلي أو تعاقدي إلى وضعية صعوبة فعلية قد تفتح الباب أمام مساطر قضائية أثقل وأعقد. لذلك فدور الوساطة والتحكيم في عالم المقاولة ليس دوراً ثانوياً، بل جزء من الوقاية القانونية والاقتصادية.
خاتمة
يتضح أن صعوبات المقاولة في المغرب لا يمكن حصرها في بعدها المالي فقط، بل هي نتيجة تفاعل بين قانون الشركات، والتسيير، والعلاقات التعاقدية، والائتمان، والنزاعات الداخلية والخارجية. ولهذا فإن معالجتها تتطلب مقاربة مركبة: قواعد شركات واضحة، ومساطر قضائية فعالة، وآليات بديلة مرنة مثل الوساطة والتحكيم.
وبذلك، فإن الوساطة والتحكيم لا يلغيان دور القضاء التجاري في صعوبات المقاولة، لكنهما يساهمان بقوة في منع الأزمة من التفاقم، أو في حل بعض نزاعاتها الجوهرية بسرعة وفعالية. أما حين تبلغ الشركة مرحلة تستوجب مساطر جماعية تحت إشراف المحكمة، فإن الكتاب الخامس من مدونة التجارة يظل هو الإطار الحاسم. ومن ثم، فإن التوازن الحقيقي في القانون المغربي يوجد في تكامل هذه الآليات لا في تعارضها.



Comments are closed