لم تعد المسطرة المدنية في المغرب مجرد قواعد تقنية لتنظيم الدعوى، بل أصبحت اليوم جزءاً من ورش كبير لإصلاح العدالة، لأن جودة الحقوق لا تنفصل عن جودة الإجراءات التي تحميها. ومن هنا جاءت أهمية القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026. كما نص هذا القانون نفسه على دخوله حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من تاريخ نشره، مع نسخ قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 ابتداءً من تاريخ دخوله حيز التنفيذ.
ويكتسي هذا النص أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على تعديل جزئي لبعض الفصول، بل يقدم قانوناً جديداً ومندمجاً يروم معالجة تعقيد الإجراءات، وبطء المساطر، وصعوبات التبليغ والتنفيذ، مع مواكبة التحول الرقمي وتطور التشريع القضائي الوطني والدولي. كما يعلن، في بيان أسبابه، عن تجميع شتات المساطر المدنية والإدارية والتجارية وبعض مقتضيات قضاء القرب، مع ضبط غير مسبوق لقواعد الاختصاص القضائي الدولي.
لهذا، فإن الحديث عن مستجدات قانون المسطرة المدنية في المغرب لا يعني فقط رصد مواد جديدة، بل يقتضي فهم الفلسفة التي تحكم النص: عدالة أسرع، وإجراءات أوضح، وقاضٍ أكثر فعالية في قيادة الدعوى، ومحكمة أكثر انفتاحاً على التكنولوجيا.
أولاً: ما الجديد على المستوى التشريعي العام؟
1. الانتقال من منطق التعديل إلى منطق إعادة البناء
أهم مستجد هو أن المشرع لم يكتف بإصلاح متن 1974، بل اعتمد قانوناً جديداً من 644 مادة موزعة على أحد عشر قسماً، تشمل المبادئ العامة، الاختصاص، المسطرة أمام محاكم الدرجة الأولى والثانية، المساطر الخاصة، التنفيذ، ثم باباً مستقلاً لرقمنة المساطر والإجراءات القضائية. وهذا المعطى أكدت عليه المحكمة الدستورية نفسها عند عرضها لبنية القانون المحال عليها قبل إصداره.
كما أن هذا القانون جاء في سياق تشريعي واضح: تحديث الإطار الإجرائي، تبسيط المساطر، تسريع البت في القضايا، وضمان ولوج المواطنين إلى العدالة في ظروف أكثر شفافية وفعالية. وقد وصفت وزارة العدل هذا الإصلاح بأنه خطوة نوعية نحو عدالة ناجعة ورقمنة القضاء.
2. توسيع مجال التوحيد الإجرائي
من أبرز المستجدات أيضاً أن القانون الجديد اتجه إلى تجميع قواعد كانت موزعة سابقاً بين عدة نصوص، بما فيها بعض المقتضيات المتعلقة بالمحاكم التجارية والمحاكم الإدارية وقضاء القرب. ويظهر ذلك بوضوح في المادة 644 التي نصت على نسخ قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، وبعض مقتضيات قانون قضاء القرب، والقانون المحدث للمحاكم التجارية، والقانون المحدث للمحاكم الإدارية، وقانون محاكم الاستئناف الإدارية.
وهذا التوجه مهم عملياً لأنه يخفف من تشتت القواعد الإجرائية، ويقرب الممارس والباحث والمتقاضي من نص موحد نسبياً، بدل التنقل بين نصوص متعددة ومتفرقة.
ثانياً: أبرز المستجدات الموضوعية في قانون المسطرة المدنية
1. تكريس مبادئ المحاكمة العادلة داخل النص الإجرائي
افتتح القانون الجديد بباب خاص بالمبادئ العامة، وهو اختيار له دلالة قوية. فقد نص منذ مواده الأولى على أن المحاكم تسهر على حسن سير العدالة بما يضمن شروط المحاكمة العادلة واحترام حقوق الدفاع، وأن القاضي يمارس مهامه باستقلال وتجرد، وأن الحكم يجب أن يصدر داخل أجل معقول. كما أكد على عدم جواز الحكم على أي طرف قبل استدعائه بصفة قانونية أو تمكينه من بسط دفاعه.
هذه الصياغة لا تحمل فقط طابعاً إعلانياً، بل تُبرز أن المسطرة المدنية الجديدة تريد نقل ضمانات المحاكمة العادلة من المجال الدستوري العام إلى قواعد إجرائية مباشرة يستند إليها القاضي والمحامي والمتقاضي أثناء سير الدعوى.
2. تعزيز دور القاضي في تسيير الدعوى
بيان الأسباب انتقد صراحة “الدور السلبي” الذي كان يطبع أحياناً الإشراف القضائي على إجراءات التقاضي، ولذلك جاء النص الجديد ليمنح القاضي دوراً أكثر فعالية في ضبط المسطرة وحسن سيرها. كما أشارت وزارة العدل إلى أن من بين أهداف المشروع تقوية دور القاضي في تسيير الدعوى وتحديث الإجراءات المدنية.
ويظهر هذا التوجه كذلك في عدد من المواد الأولى، مثل إمكانية عرض الصلح على الأطراف، ودعوتهم إلى الوساطة، والتنبيه إلى ضرورة تصحيح عيوب الأهلية أو الصفة أو المصلحة قبل الحكم بعدم قبول الدعوى في بعض الحالات.
3. تشجيع الصلح والوساطة
من المستجدات اللافتة أن القانون الجديد لم يعد يحصر نفسه في منطق الخصومة الصرف، بل منح للمحكمة إمكانية عرض الصلح على الأطراف، كما أجاز لها دعوة الأطراف إلى حل النزاع عن طريق الوساطة، مع منحهم أجلاً معقولاً للإدلاء بنتيجتها. وإذا تم الاتفاق، يُسجل بحكم غير قابل للطعن.
وهذا يعكس تحولاً مهماً في فلسفة الدعوى المدنية: المسطرة ليست فقط طريقاً للحكم، بل أيضاً إطاراً لتقريب الحلول التوافقية، خاصة في القضايا التي يكون فيها استمرار العلاقة بين الأطراف أمراً مرغوباً.
4. إدخال رقمنة المساطر والإجراءات القضائية
من أكثر المستجدات تداولاً في القانون الجديد تخصيصه باباً مستقلاً لـ رقمنة المساطر والإجراءات القضائية، من المادة 623 إلى المادة 639 حسب عرض المحكمة الدستورية لبنية النص. كما شددت وزارة العدل على أن القانون يمهد للانتقال التدريجي نحو المحكمة الرقمية، ويوفر آليات إلكترونية لتقديم الطلبات وتتبع القضايا.
هذا المعطى مهم جداً في الواقع العملي، لأن رقمنة المسطرة لا تعني فقط استعمال الوسائل التقنية، بل تعني أيضاً تقليص الزمن الإجرائي، وتقليل أخطاء التبليغ، وتسهيل الولوج للمعلومة القضائية، وتحسين تدبير الملفات داخل المحاكم.
5. تنظيم الجلسات عن بعد
القانون الجديد تضمن إمكانية عقد الجلسات حضورياً أو عن بعد، وأجاز للمحكمة، بموافقة مسبقة وصريحة من الأشخاص المعنيين، عقد الجلسات بواسطة تقنيات التواصل عن بعد وفق شروط محددة. هذا المستجد يبين أن المشرع المغربي أخذ بعين الاعتبار التطور التكنولوجي وحاجة العدالة إلى المرونة.
غير أن هذا المقتضى عرف رقابة دستورية مهمة، لأن المحكمة الدستورية اعتبرت أن الصيغة الأولى للفقرة الأخيرة من المادة 90 لم تستنفد الضمانات القانونية اللازمة، خاصة ما يتعلق بقبول الطرف المعني، والتواصل الثنائي المتزامن، وسلامة وسرية المعطيات، وتنظيم حالة انقطاع الاتصال. لذلك صرحت بعدم مطابقة هذه الفقرة للدستور في صياغتها الأولى، وهو ما دفع إلى إعادة ترتيب النص لاحقاً كما أوضحت وزارة العدل في يناير 2026.
6. تقنين الاختصاص القضائي الدولي
من المستجدات البارزة أيضاً أن القانون الجديد خصص باباً مستقلاً لـ الاختصاص القضائي الدولي، واعتبر بيان الأسباب أن هذا الضبط القانوني يتم لأول مرة بشكل غير مسبوق. ويظهر ذلك ابتداءً من المادة 72 وما يليها، حيث تم تنظيم حالات اختصاص محاكم المملكة في الدعاوى المرفوعة ضد المغربي أو الأجنبي في أوضاع محددة.
وهذا التطور له أهمية كبيرة بالنسبة للمنازعات ذات العنصر الأجنبي، سواء في العلاقات التجارية أو الأسرية أو المدنية العابرة للحدود، لأنه يحد من الغموض الذي كان يكتنف الاختصاص الدولي ويمنح الفاعلين قدراً أكبر من الأمن القضائي.
ثالثاً: ماذا قالت المحكمة الدستورية عن القانون الجديد؟
أحيل القانون على المحكمة الدستورية بعد المصادقة البرلمانية النهائية عليه في يوليوز 2025، وأصدرت المحكمة قرارها رقم 255/25 بتاريخ 4 أغسطس 2025. وفي هذا القرار، اعتبرت أن بعض المواد أو الفقرات غير مطابقة للدستور، من بينها الفقرة الأولى من المادة 17، والفقرة الأخيرة من المادة 90، وبعض مقتضيات التبليغ، وبعض المواد المتعلقة بمستنتجات المفوض الملكي، وبعض المقتضيات التي خولت لوزير العدل تقديم طلبات معينة أمام محكمة النقض.
وتكتسي هذه الرقابة أهمية كبيرة لأنها أبرزت أن تحديث المسطرة المدنية لا يمكن أن يتم على حساب الأمن القضائي، وحقوق الدفاع، واستقلال السلطة القضائية. فمثلاً، رأت المحكمة أن تخويل النيابة العامة إمكانية طلب التصريح ببطلان مقرر قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به داخل أجل خمس سنوات، دون ضبط موضوعي للحالات، يمس بمبدأ الأمن القضائي. كما تحفظت على بعض صيغ التبليغ لكونها قد تمس باليقين القانوني وحقوق الدفاع.
وبعد هذا القرار، أوضحت وزارة العدل أن الحكومة أعادت تقديم النص في صيغة جديدة، وأن لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب صادقت في 5 يناير 2026 على مشروع قانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية بعد ترتيب الآثار القانونية المترتبة عن قرار المحكمة الدستورية، خاصة في موضوع الجلسات عن بعد.
رابعاً: لماذا تعتبر هذه المستجدات مهمة عملياً؟
الأثر العملي لهذه المستجدات كبير جداً. أولاً، لأنها تضع المتقاضي أمام نص أحدث وأكثر انسجاماً مع دستور 2011 ومتطلبات المحاكمة العادلة. وثانياً، لأنها تراهن على السرعة والنجاعة بدل التعقيد والبطء اللذين كانا من أبرز مآخذ الممارسة السابقة. وثالثاً، لأنها تُدخل العدالة المغربية بشكل أوضح إلى مجال الرقمنة، دون التخلي عن الضمانات الدستورية الأساسية.
كما أن نسخ عدة نصوص متفرقة وتجميع قواعد مهمة داخل قانون واحد سيُحدث، على الأرجح، تحولاً في الممارسة القضائية وفي التكوين المهني للمحامين والقضاة وطلبة القانون، لأن فهم المسطرة المدنية سيصبح أكثر ارتباطاً بمنطق القانون المندمج بدل منطق النصوص المتوازية.
خاتمة
إن مستجدات قانون المسطرة المدنية في المغرب لا تختزل في مجرد أرقام مواد جديدة، بل تعبّر عن مرحلة تشريعية جديدة عنوانها: تبسيط الإجراءات، تعزيز دور القاضي، توسيع أدوات الصلح والوساطة، تنظيم الاختصاص الدولي، وفتح الباب أمام المحكمة الرقمية. وقد تكرس هذا المسار بصدور القانون رقم 58.25 في فبراير 2026، مع دخوله حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من نشره في الجريدة الرسمية.
لكن في المقابل، أظهرت الرقابة الدستورية أن الإصلاح الإجرائي الحقيقي لا ينجح إلا إذا حافظ على التوازن بين النجاعة والضمانات، بين الرقمنة وحقوق الدفاع، وبين تحديث القضاء وصون استقلاله. ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا القانون ستظهر أكثر عند تنزيله عملياً داخل المحاكم، وفي كيفية تأويله وتطبيقه بما يحقق للمواطن عدالة أسرع، أوضح، وأكثر أمناً.



Comments are closed